الشيخ السبحاني

98

بحوث في الملل والنحل

والحال أنّ الاعتقاد بالألوهيّة أعمّ من الاعتقاد بالسلطة ، فلو افترضنا أنّ الاعتقاد بالسلطة يستلزم الألوهية ، ولكن الاعتقاد بالألوهيّة لا يستلزم الاعتقاد بالسلطة ، بل يكفي أن يعتقد أنّ المدعو يملك مقام الشفاعة والمغفرة ، أو شأناً من شؤونه سبحانه . وثانياً : أنّ الاعتقاد بالسلطة إنّما يستلزم الاعتقاد بالألوهيّة إذا كان ينطوي على الاعتقاد بأنّه فوّضت إليه تلك السلطة تفويضاً ، بحيث يقوم بأعمالها باختياره من دون استئذان من اللّه سبحانه واعتماد عليه ، وعلى ضوء ذلك لا يكون الاعتقاد بها - إذا كان إعمال تلك السلطة بإذن اللّه - ملازماً للاعتقاد بالألوهيّة ، وإلّا وجب أن لا نسجّل أحداً من المسلمين المعتقدين بالقرآن في ديوان الموحّدين ، فإنّه يثبت ليوسف وموسى وسليمان والمسيح ، بل لأناس آخرين ليسوا بأنبياء سلطة غيبية . هذا قوله سبحانه في قصة سليمان : « قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ » « 1 » . ولا يرتاب أحد في أنّ سليمان سأل ما سأل بعد اعتقاده بكونهم

--> ( 1 ) . النمل : 38 - 40 .